عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
142
اللباب في علوم الكتاب
مولانا ، ويجب على العبد الانقياد لمولاه ؛ ولأنه أنعم ومنّ بوجوه الإنعام والامتنان ، فأوجد وأحيا وعلّم وهدى ، فعلى العبد أن يقابل تلك النّعم بأنواع الخضوع والانقياد ؛ ولأنه بكونه موجدا وخالقا وربّا يجب علينا عبادته ، وامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، ويلزم من ذلك ألا نوجب لتلك الأفعال ثوابا ؛ لأن أداء الحق لمستحقه لا يوجب ، وثواب هذا إن سلّمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ، فكيف وهذا محال ؛ لأن الطاعات لا تحصل إلّا بخلق اللّه - تعالى - القدرة عليها ، والداعية إليها [ ومتى حصلت القدرة والداعي كان ] مجموعهما موجبا لصدور الطاعة ، فتكون تلك الطاعة إنعاما آخر . وأيضا أنّه خلقنا من نفس واحدة ، ذلك أيضا يوجب علينا طاعته لأنّ ذلك يدلّ على كمال القدرة ؛ لأن ذلك لو كان بالطبيعة لما تولد عن الإنسان إلّا إنسان يشاكله « 1 » ويشابهه في الخلقة والطبيعة ، ولمّا اختلف الناس في الصفات والألوان ، دلّ على أن الخالق قادر مختار عالم ، يجب الانقياد لتكاليفه ؛ ولأن اللّه تعالى عقّب الأمر بالتقوى بالأمر بالإحسان إلى اليتامى والنساء والضّعفاء وكونهم من نفس واحدة باعث على ذلك بكونه [ وذلك لأن الأقارب لا بد أن ] « 2 » يكون بينهم مواصلة وقرابة ، وذلك يزيد في المحبة ، ولذلك يفرح الإنسان بمدح « 3 » أقاربه ويحزن بذمهم فقدّم ذكرهم « 4 » ، فقال : مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ليؤكد شفقة بعضنا على بعض . فإن قيل : لم لم يقل : وبثّ منها الرّجال والنّساء . فالجواب : لأن ذلك يقتضي كونهما مبثوثين من نفسيهما ، وذلك محال ، فلهذا عدل إلى قوله : وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . وقوله : « كثيرا » فيه وجهان « 5 » : أظهرهما : أنه نعت ل « رجالا » . قال أبو البقاء « 6 » : ولم يؤنثه حملا على المعنى ؛ لأن « رجالا » بمعنى عدد أو جمع أو جنس كما ذكّر الفعل المسند إلى جماعة المؤنث لقوله تعالى : وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ [ يوسف : 30 ] . والثاني : أنه نعت لمصدر تقديره : وبث منهما بثا كثيرا ؛ وقد تقدم أن مذهب سيبويه « 7 » في مثله النصب على الحال .
--> ( 1 ) في أ : يقابله . ( 2 ) زيادة من الرازي لتمام المعنى . ( 3 ) في ب : أن يمدح . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 130 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 2 / 296 . ( 6 ) ينظر إملاء ما منّ به الرحمان بهامش الفتوحات الإلهية 2 / 181 طبعة الحلبي والدر المصون الموضع السابق . ( 7 ) قال السيوطي في الهمع 6 / 286 : يجوز في هذا النوع حذف إحدى التاءين تخفيفا ، وهل المحذوف الأولى أو الثانية ؟ قولان : أصحهما الثاني ، وهو مذهب سيبويه والبصريين ، وقال الكوفيون بالمحذوف -